مجلس النوابالبرلمانمجلس المستشارين

فضاء الرئاسة: الولاية التشريعية 2016-2021

خطب الرئيس

كلمة السيد الحبيب المالكي رئيس مجلس النواب في افتتاح اليوم الدراسي حول "مشروع القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية

> 19/07/2017

باسم الله الرحمن الرحيم

 

السيد وزير الثقافة والاتصال،

السيد رئيس لجنة التعليم والثقافة والاتصال،

السيدات والسادة النواب،

ضُيُوفَنَا الأجِلاَّء،

أيها الحضورُ الكرام،

 

يسعدني ويشرفني أن أشاركَ في هذا اليومِ الدراسي الهام، وذلك استجابة للدعوة الكريمة وكذا لإلحاح السيد رئيس اللجنة وبعض أعضائها، ولكن أيضا لأهمية الموضوع الذي نلتقي في أُفُقِهِ وعلى ذكرهِ هذا اليوم.

وكما لا يخفى علينا جميعا، فقد اختارت لجنة التعليم والثقافة والاتصال في مجلس النواب، وبتعاون مع وزارة الثقافة والاتصال، أن تخصص هذا اللقاءَ الدراسي لفتح حوار جماعي بل وجعلته مفتوحا على الكفاءات والتخصصات ذات الصلة، وعلى بعض الإرادات الوطنية الخَيِّرَة، على أمل تعميق النظر والإنصات لمختلف وجهات النظر والاجتهادات حول مشروع القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وذلك في سياق التحضير الجدي، المسؤول والضروري لتقديم ومناقشة هذا المشروع من طرف مجلس النواب، على طَرِيقِ المصادقةِ عليه طبقا لسيرورة العمل التشريعي في بلادنا وإقراره إن شاء الله تعالى.

ولاشك أن المغرب الراهن، دولةً ومجتمعاً، ونُخَباً فكريةً وثقافيةً واجتماعيةً وسياسيةً، ومجتمعاً مدنياً، وفاعلينَ ونُشَطاءَ، ينتظرون نتائج عملنا وكذا اليوم الذي سيتم فيه إقرار هذا القانون التنظيمي الهام بمضامينه وروحه التشريعية، وأبعاده الثقافية والاجتماعية واللغوية والتنظيمية، وبمبادئه العامة وقيمه المرجعية التي يستمدها من دستور المملكة المغربية، ومن عُمْقنا الحضاري وتجربتنا التاريخية، وموروثنا الإنساني المغربي الأمازيغي العظيم، ومن خبرات المغاربة مع أصولهم وجذورهم وتعددهم الثقافي واللغوي والمرجعي.

من المؤكد أن القوانين التنظيمية التي نص عليها الدستور سنة 2011 تكتسي كُلًّها أهمية قصوى، وقد جرت المصادقة النهائية على أغلبها.

ونحن الآن بصدد الاشتغال في مجلس النواب على الأربعةِ المتبقّيةِ منها : مشروع القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وإجراءات تطبيق الفصل 133 من الدستور، مشروع القانون التنظيمي الخاص بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، مشروع القانون التنظيمي المتعلق بإحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية وتركيبته وكيفيات سيره، وهذا القانون التنظيمي الذي نحن بصدد مناقشته الآن في هذا اليوم الدراسي، والذي لا أحد بإمكانه اليوم أن يقلل من أهميته، وقيمته النوعية، وبعده الاستراتيجي، ووظيفته الديموقراطية.

لقد ظل المغرب المعاصر يُنْضِجُ خياره الديموقراطي ويُعَمِّقُهُ بتراكم الإصلاحات والتوافقات وبثقافة التغيير والتحويل والبناء المؤسساتي.

والواقع أن معظم ما تم إنجازه اتخذ طابعا سياسيا في الغالب، فَظَلَّ النموذج الديموقراطي المغربي في حاجة إلى تغيير في الرؤى الفكرية والذهنيات والسلوكيات الكفيلة بإضفاء معنىً جديدٍ، معنى ثقافيٍّ فكْريٍّ على نموذجنا الديموقراطي، وذلك باعتبار أن الديموقراطية كيفما كانت قوتها، تظل ناقصةً إِنْ لَمْ نجعلها ديموقراطية ثقافية وفكرية ولغوية وإنسانية. وهذا معنى أن تشكل الديموقراطية أساسا للحرية والمساواة بين الأفراد والجماعات، وبين الجهات الجغرافية، وبين الجنسين بل أساسا للتماسك الاجتماعي والانصهار الثقافي.

وبهذه الإرادة الوثابة، بادر صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله في خطاب أجدير التاريخي بتاريخ 17 أكتوبر 2001، ضمن المبادرات والأوراش الإصلاحية الكبرى التي دشنها جلالته، عن إعادة اعتبار كاملة للمكون اللغويوالثقافي الأمازيغي مؤكداً حفظه الله "على أن الأمازيغية، التي تمتد جذورها في أعماق تاريخ الشعب المغربي، هي مِلْكٌ لكل المغاربة بدون استثناء، وعلى أنه لايمكن اتخاذ الأمازيغية مطية لخدمة أغراض سياسية، كيفما كانت طبيعتها " (والقول لصاحب الجلالة).

وفي إِثْرِ الخطاب الملكي المولوي بأجدير، جرى أيضا وضع الطابع الشريف على الظهير المُحْدِث للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. ثم جرى تَبَنّي حرف تيفيناغ لكتابة الأمازيغية في فبراير 2003، وتم الشروع في تدريس نموذجي لهذه اللغة الوطنية، وكنت يومها أتحمل المسؤولية على رأس وزارة التربية الوطنية ؛ هذه اللغة التي كَرَّسَهَا لاحقاً – كما نعلم - دستور 2011 لغةً وطنيةً مغربيةً رسميةً إلى جانب شقيقتها اللغة العربية في انفتاحٍ على اللغات الإنسانية الأخرى.

وهانحن اليوم بصدد إنجاز دستوري تشريعي يُعْلي من شأن ومكانة الأمازيغية، لُغَة وثقافة وممارسة مجتمعية ورسمية، وذلك "تجسيداً لقوة الإيمان بالمستقبل، كما عبر صاحب الجلالة في الخطاب المذكور، مستقبل مغرب التضامن والتلاحم، مغرب الإرادة والجد، مغرب الفضيلة والطمأنينة والرصانة، مغرب الجميع، القوي بوحدته الوطنية".

ومن هنا، فإن المؤسسة التشريعية مطالبة بأن تدعم هذا الأفق الذي دشنه صاحب الجلالة، منذ أكثر من ست سنوات، وأن تنصت لتطور المجتمع المغربي وديناميته الثقافية واللغوية، وكذا الإنصات لأهل الاختصاص ولمختلف الفاعلين والنشطاء والحكماء. لابد من الاستئناس، والاسترشاد، والتفاعل الخلاق المنتج لقوانين وقوانين تنظيمية قوية متطورة منفتحة على تجربة الواقع وتحولاته، ومعبرة عن روح الدستور الذي يعبر بدوره عن روح الأمة.

وشخصيا، ولكي أختم هذه الكلمة، لاأتصور أن أي وصفة قانونية مهما كانت قوية يمكنها أن تكون نهائية وجامعة مانعة، وخصوصاً حين يتعلق الأمر بحقل لغوي ثقافي حضاري مرتبط بالجذور البعيدة ومتجه  نحو المستقبل. وبالتالي، علينا أن نفكر فقط في أن نوفر لمجتمعنا ولمستقبلنا ولوضعنا اللغوي المتعدد نظاماً من المعايير المرنة يتم التوافق الوطني حوله، ويظل مفتوحاً على هويتنا الوطنية المنفتحة، وعلى دينامية مجتمعنا، وتجاربنا في المستقبل إن شاء الله.

مرة أخرى، أجدد شكري الجزيل على دعوة اللجنة ورئيسها، وأثمن هذه الشراكة المثمرة بين اللجنة ووزارة الثقافة والاتصال. كما أتمنى لأشغال هذا اللقاء الدراسي كامل النجاح والتوفيق.

 

والسلام عليكم.

 

 

إتصل بنا
Image CAPTCHA
أدخل الحروف المبينة في الصورة