مجلس النوابالبرلمانمجلس المستشارين

فضاء الرئاسة: الولاية التشريعية 2016-2021

خطب الرئيس

كلمة السيد الحبيب المالكي رئيس الاتحاد البرلماني العربي رئيس مجلس النواب المغربي في افتتاح أشغال اللجنة التنفيذية (في دورتها الثانية والعشرين).

> 05/12/2017

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وآله الأكرمين

 

السيد الأمين العام،

السيدة والسادة ممثلي أعضاء اللجنة التنفيذية،

زملائي إخواني المحترمين،

 

أود في البداية أن أشكركم واحداً واحداً على استجابتكم لدعوتنا في رئاسة الاتحاد البرلماني العربي وأمانته العامة، وكذا في مجلس النواب المغربي ؛ وعلى ما تَجَشَّمْتُم من عَنَاء السَّفَر لحضور هذا اللقاء، وإِعطائه مضموناً ومعنىً وقيمةً نوعيةً.

ولي اليقين أنكم جئتُم إلى الرباط، لا فقط لأن النظام الأساسي لاتحادنا يُلْزمنا بالحضور، بل جئتُم لكونكم تقدرون المسؤولية ولكم حِسٌّ راقٍ وَوَاعِ بأَداء الواجب الأَخلاقي تجاه العمل البرلماني العربي ومن أَجل خدمة أمتنا العربية التي باتَتِ اليومَ أَحْوَجَ ما تكون إِلى التزامنا الفردي والجماعي بقضاياها وتَطَلُّعاتِها وانتظاراتها.

ونحن جميعاً، في الاتحاد البرلماني العربي ولجنته التنفيذية ورئاسته وأمانته العامة وفي كافة شُعَبِهِ البرلمانية الشقيقة، نُدْركُ إِلى أَيِّ حَدٍّ أضحت الأمةُ العربية مأزومةً وقَلِقَةً ومُتَوتِّرةً. كما تَفرَّقت كلمتُها، وضَعُفَتْ رُوحُها الوحدوية، وتَضَاءَلت شُحْنةُ تَضَامُنِها.

ولي اليقين أن لا حَلَّ لوضعنا العربي المأزوم إلاَّ بتوفير إمكانيات العمل المؤسَّسِي، سواء على مستوى البرلمانات أو على مستوى الحكومات أو على مستوى منظمات المجتمع المدني، وكذا على المستوى الفكري والثقافي الذي من شأنه أن يحافظ لهذه الأمة على كيانها الحضاري والروحي ونَسَقِها الرمزي والأَخلاقي. وأعتقد أن عَمَلَنا البرلماني – مهما كانت أوضَاعُه ومَصَاعِبُه في هذا البلد أو ذاك – يظل يوفِّر أحد الأَسباب الضامنة لصناعة الأَمل وتوفير فضاءات الحوار  والإِنصات المتبادل، وتحصين الكيان العربي، وتقوية الإرادة الجماعية، وتوحيد الرأي حول مُتَطَلَّبات العمل الجماعي.

سَيَصْعُب على أمتنا العَرَبية – وهذه بديهية، لكِنْ من واجبي أن أُلِحَّ عليها في هذه المناسبة – أن تتقدم إِلى الأَمام إذا لم نُوحِّد الصَّفَّ العربي، ونُرتّبَ الاختلافات بين الأَشقاء، ونتصرَّف بإرادةٍ متفائلة وثقة في المستقبل، وأَيضاً أن نتحرك بإرادة جماعية حازمة تجاه أَمْنِنَا القومي العَرَبي الذي باتَ مُهَدَّداً في ظل الاختراقات الراهنة والتهديدات الداخلية والخارجية للاستقرار والأمن، استقرار وأمن الدول والشعوب العربية على السواء.

تحتاجُ أمتُنا العربية بالتأكيد إلى مُراجَعَةٍ شاملة لأَنساقها الفكرية والسياسية، ولنماذجها الاقتصادية والاجتماعية، ولأنماطها المؤسسية التقليدية الهشة حيثما وُجدَتْ. وفي هذا الأفق، نحتاج إلى بعضنا البعض كأشقاء على كل المستويات وفي كل المحافل ؛ وإِن أَيَّ مساس ببلدٍ عربي هو مساس بنا جميعاً، وأي تهديد لوحدة وتراب أي بلد عربي هو تهديد لوحدتنا وسيادتنا الترابية كأمة عربية.

 

زميلتي، زملائي، إخواني الأفاضل،

 

علينا أن نتمسك بإطارات العمل الوحدوي العربية وفي مقدمها الاتحاد البرلماني العربي الذي ينبغي أَن نُحافِظَ عليه بكل ما يتوفر من إِمكانيات، وأن نَصُونَه كآلية من آلياتِ عَمَلِنا المشترك، وأَن نوفّر له أسباب الاستمرارية وضمانات النجاح والفعالية والتأثير والمصداقية مادام يمثل الضمير الشَّعْبي العَرَبي ويسْعَى نحو المزيد من إِنضاج الدينامية البرلمانية بكل أشكالها ومكوناتها، وتقوية الهياكل المؤسسية الديموقراطية الحريصة على إِشراك المجتمعات العربية في صناعةِ القرار، وتَجْسير العلاقة مع المشاريع والأفكار، وحماية الاستقرار.

ولهذا، ومن باب الصراحة بيننا، عَليَّ أَن أَقُولَ بأَن الاتحاد البرلماني العَرَبي بدوره. ربما شأن إطاراتٍ عربيةٍ أخرى – في حاجة قصوى إلى تجديد بنائه الداخلي وتقوية بُعده المؤسسي وإِعادة النظر، ربَّما، في ميثاقه ونظامه الداخلي تحقيقاً لمزيد من الانسجام من حيث المواد والفقرات والفعالية. كما أنه في حاجة إلى مقر جديد يكون عقاره في ملكية الاتحاد وليس مجرد مقر مكتَرى كما أمكننا أن نُحقّق ذلك الآن حيث نجحت الأمَانة العامة في اكتراء مقر في بيروت بعد أَن تفضل إخواننا في مجلس النواب اللبنَاني مشكورين (جازاهم الله خيراً) باستضافة الاتحاد البرلماني العربي منذ استحالت إِمكانية العمل في دولة المقر السابقة، في دمشق. وقد نحتاج إلى وقت لكي نخطط لهذا المشروع ولتنفيذه على أَرض الواقع.

ومادمنا في اجتماع تنظيمي للجنة التنفيذية، إسْمَحُوا لي أَن أَشْرِكَكُم في جملة من الأَفكار والمقترحات تَداوَلْنا في شَاْنِها – مَعاً سَوِيّاً – على مستوى الرئاسة والأمانة العامة. فلايَخْفَى عليكم أن الاتحاد البرلماني مَدْعُوٌّ إلى تقوية حضوره وانفتاحه على مستوى المحافل والمنتديات والمنظمات والاتحادات البرلمانية الدولية والاقليمية والجهوية، وهذا أفق لن ينهض بِهِ بضْعةُ أفراد في الأمانة العامة وبإمكانياتٍ مالية ولوجيستية وموارد بشرية محدودة جدّاً.

إن الدفاع عن الأمة العربية وقضاياها العادلة ورؤيتها القومية الاستراتيجية له كُلْفَة ويحتاج إلى إرْساءٍ مؤسساتي قويٍّ ومُنَظَّم وعقلاني. كما يحتاج هذا العمل البرلماني العربي إلى تخطيط ودراسة، مما يتطلب وجوباً إِنشاء معهد أو مركز للأبحاث والدراسات البرلمانية العربية يسْتَقْطِبُ ذوي الاختصاص العلمي والمعرفي وينفتح على مراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد ذات الاهتمام المشترك داخل الوطن العربي وخارجه.

وتقضي المصلحة العربية التي كم نحن مؤتَمَنُون عليها كفاعلين سياسيين وكبرلمانيين نمثل حقّاً إرادةَ شعُوبِنا العَرَبية أن نرفع سقف اهتمامنا الدبلوماسي البرلماني، لا فقط داخل الجغرافيا العربية من حيث حَاجَتُنا إِلى تطويق الخلافات العربية – العربية كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ولكن أيضاً على المستوى الدولي، سواء بمواصلة حضورنا الفعلي والفاعل كمجموعة جِيُّواستراتيجية داخل الاتحاد البرلماني الدولي الذي كان لنا الشَّرَفُ كَعَرَب برئاسته في الفترة ما بين سنتي 2011 و2014 أو على المستوى البرلماني الأوروبي والمتوسطي أو بالانفتاح العربي أكثر فأكثر على القارة الأفريقية التي غَدتْ تمثل مخزوناً استراتيجيّاً واقتصاديّاً لمستقبل العالم ولأمتنا العربية.

وبهذا الخصوص، إِسمحوا لي – إِخْوَتي الأَعزاء – أَنْ أُؤَكد على أهمية التوجه العربي نحو الفضاء الأفريقي. وقد علمتنا تجربتُنا المغربية التي قادها جلالة الملك محمد السادس استراتيجيّاً واقتصاديّاً أَن الانفتاح على هذه القارة تؤسسه لغة المصالح المتبادلة ولا تضمنه الشعارات والخطابات وعبارات المجاملة أو المشاعر والنوايا الطيبة. كما تضمنه المشاريع الاقتصادية والاستثمارات والمبادرات المشتركة القائمة على الواقعية الملموسة وبناء الثقة وسبل التكامل العربي-الأفريقي.

وبالتأكيد، كلما وحَّدْنَا رُؤْيَتَنا، وكلِمَتَنا، وآفاقَنا، ومصالحَنا العربية، وضَمِنَّا لأَنفُسنا سُبُل المحافظة على البيت العربي الواحد الـمُوَحَّد، كلما نَجَحْنا في توجهاتنا نحو أفريقيا، ونحو أوروبا، ونحو الأمريكَتَيْن الشمالية والجنوبية، ونحو القوى الإقليمية المحيطة بالجغرافيا العَرَبية، وكذا نحو العمق الأَسيوي الحيوي المؤثر اليوم. وبهذا المعنى يمكن لأشقائنا الفلسطينيين بالخصوص أن يُعَوِّلوا علينا في معاركهم المصيرية وفي مقدمتها قضية القدس الشريف كذاكرةٍ وكفضاءٍ ومُقَدَّسات، وكعاصمة للدولة الوطنية الفلسطينية المستقلة، تلك المعارك التي هي معاركنا جميعاً، كأفراد وكأمة. فلا الفلسطينيون قادرون على فعلِ شيءٍ ملموس بدون أن يكونوا عَرَباً ولا العرب بإمكانهم أن يكونوا عرباً بدون أن يَكُونُوا فلسطينيين. فالمصيرُ مشترَك، والسَّفِينَةُ واحدة.

 

إِخْوَتي الأَجلاء،

ختاماً، عليَّ أن أُلِح من جديد على أن دورنا في الاتحاد البرلماني العربي يبقى ضرورياً وحيوياً في مدِّ الجسور بين الأشقاء، وتسهيل سبل الحوار كلَّما كان ذلك ممكناً.

ويقيني أَنْ لا سبيلَ أمامنا كعرب، يجمعنا أفقٌ واحد ومَنْذُورونَ لمصير واحد، سوى أفق الحوار ، والاستماع لبعضنا البعض، فهو الطريق الوحيد الذي يمكنه أن يساعد على تصفية الأجواء، وهو الذي يجعل التضامن ممكنا، والتعاون ممكنا، هذا التضامن الذي يجعل الاستقرار ممكنا، والثقة ممكنة، ويجعل بناء المستقبل العربي ممكنا.

أملُنا في الله كبير في أن نحقق مطامحنا العربية وتطلعات أمتنا نحو الاستقرار والتعاون والتضامن والازدهار الاقتصادي والأمن الاجتماعي والتطور العِلْمي والتربوي والثقافي. وما ذلك على بنات وأبناء أمتنا بعزيز.

 

 

                        والسلام عليكم.

إتصل بنا
Image CAPTCHA
أدخل الحروف المبينة في الصورة