مجلس النوابالبرلمانمجلس المستشارين

فضاء الرئاسة: الولاية التشريعية 2016-2021

خطب الرئيس

كلمة السيد الحبيب المالكي، رئيس مجلس النواب بمناسبة اختتام الدورة الأولى من السنة التشريعية 2016-2017

> 13/02/2017

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه

 

 

السيدات والسادة الوزراء،

السيدات والسادة  النواب،

حضرات السيدات والسادة،

نختتم اليوم،الدورة الأولى من الولاية التشريعية العاشرة إعمالا لأحكام الدستور ومقتضيات النظام الداخلي للمجلس. وإذا كانت الجلسات المخصصة لاختتام الدورات، مناسبة لجرد حصيلة الـمُنْجَز في مجالات التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية والعلاقات الخارجية للمجلس، فإنها في السياق الخاص الذي يعيشه المغرب اليوم مناسبة أيضا للوقوف معاً على بعضٍ من سِمَاتِ الوضعية الراهنة ببلادنا وما تحقق على مختلف المستويات، ولطرح الأسئلة التي علينا، كمكونات سياسية وكَنُخَب وطنية، الجواب عنها بما يفيد بلادنا ويُطَــوِّر ممارساتنا ويجعلنا في مستوى ما يتوقعه منا جلالة الملك محمد السادس نصره  الله، وكذا انتظارات الشعب المغربي حتى نكون جميعا مستوى التحديات الكبرى المفروضة علينا.

لقد شكل انتخاب رئيس ومكتب مجلس النواب ورؤساء اللجان النيابية الدائمة والإعلان عن قوائم ورؤساء الفرق والمجموعة النيابية بداية للإعداد الجيد للأشغال والأوراش المتعددة التي تنتظرنا، كما أنها مكنت المؤسسة التشريعية، من دون شك، من بعث رسائل قوية إلى الرأي العام الوطني والأجنبي، مفادها أن المغرب ملكا وشعبا ومؤسسات تنفيذية وتشريعية موحد، في ما يرجع إلى قضايا الوطن والوحدة الترابية والتحديات الخارجية.لقد تجسد ذلك في مصادقة البرلمان، وبالإجماع على الميثاق التأسيسي للاتحاد الإفريقي، تمهيدا للإنجاز  الكبير الذي حققه المغرب بقيادة جلالة الملكمحمد السادس  أعزه الله.

لقد اتسمت هذه الدورة التي يمكن اعتبارها انتقالية، بالأساس، بالهيكلة الداخلية للمجلس. وفي هذا الإطار، أَوَد أن أستحضر معكم، أهم ما اشتغل عليه مكتب المجلس واللجان الدائمة. فقد باشر مكتب المجلس أعماله مباشرة بعد انتخابه مستحضرا المهام الملقاة على عاتق أعضائه في ما يرجع إلى الإعداد الجيد لاشتغال المجلس.

وهكذا عقد المكتب سلسلة اجتماعات خصصت لاستكمال هياكل المجلس والتحضير للوسائل والرؤى الضرورية للقيام بمهامنا الدستورية والتمثيلية فضلا عن التداول مع السادة رؤساء الفرق النيابية في الموضوع الذي سيشكل محور تقييم السياسات العمومية طبقا لمقتضيات الدستور والنظام الداخلي للمجلس. ولا تخفى عليكم أهمية هذا الاختصاص الجديد الذي أوكله الدستور للبرلمان في إعمال الشفافية والمحاسبة وتقييم آثار التدخلات العمومية على حياة المواطنين وعلى مسار التنمية.

وحرص المكتب من جهة أخرى على تشكيل مجموعات الصداقة البرلمانية مع باقي البرلمانات الوطنية والشعب النيابية الوطنية في المنظمات البرلمانية الـمتعددة الأطراف. ولا تخفى عليكم أهمية هذه المجموعات والشُّعَب في الدفاع عن مصالح بلادنا وتعزيز العلاقات مع باقي المؤسسات التشريعية إسناداً للدبلوماسية الوطنية.

ومن جهة أخرى عمل مكتب المجلس على استئناف دراسة ملف مراجعة النظام الداخلي بهدف ملاءمته مع أحكام الدستور ولاسيما الفصلين 14 و15 ومقتضيات وأحكام القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية، وكذا القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريع، مستحضرين تجربة وخلاصات الولاية التشريعية السابقة، وبعض الممارسات المرجعية على الصعيد الدولي، وسيظل الهدف الرئيسي في ذلك هو تجويد وتحسين النظام الداخلي وضمان النجاعة والفعالية في الآداء البرلماني على مختلف الأصعدة. وأود بهذه المناسبة أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى السيدات والسادة أعضاء المكتب ورؤساء الفرق والمجموعة النيابية ورؤساء اللجان الدائمة على ما عبر عنه الجميع من انخراط واع وتام في هذه الأوراش.

وطبقا لـمقتضيات النظام الداخلي للمجلس عقدنا يوم 26 يناير 2017، اجتماعا مشتركا بين لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج ولجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان خصص لتقديم ومناقشة التقرير الوطني حول حقوق الإنسان بالمغرب.

وإننا نُقَدِّر جميعا أهمية هذا التقرير في دحض ادعاءات خصوم المغرب، وفي التعريف بجهود بلادنا في صيانة حقوق الإنسان وبالخصوص بالتشريعات والآليات التي شَكَّلَ دستور 2011 تتويجا لها، حيث تم التأسيس لنموذج مغربي متميز في سياق إقليمي مُتَمَوِّج ومفتوح على كل الاحتمالات والتطورات.  

وقد شكل هذا الاجتماع مناسبة للحوار بين السلطتين التشريعية والتنفيذية حول شأن وطني يوجد في صلب مهام واهتمامات المجلس بل من مسؤولياته النهوض به.

السيدات والسادة،

لقد تمثل أهم إنجاز في هذه الدورة في الدراسة والتصويت على مشروع القانون الذي صادق مجلس النواب بموجبه على الميثاق التأسيسي للاتحاد الإفريقي. وتعكس الفعالية والمستوى العالي للنقاش والأجواء التي انعقدت فيها جلسة التصويت على هذا الميثاق، يوم 18 يناير الماضي، ذلك الإجماع الراسخ، الوَاعِي والإرَادِي الذي يُمَيز الموقف الوطني إزاء قضية الوحدة الترابية لبلادنا، ولذلك فإن هذه الدورة ستظل راسخة في الذاكرة الجماعية الوطنية وفي تاريخ العمل البرلماني ببلادنا كدورة عنوانها ومدخلها الكبير هو عودة المغرب للاتحاد الإفريقي، وهو الحدث الذي استقبلته المجموعة الدولية بالترحيب مما يعكس اقتدار المغرب ومكانته الدولية ووزنه الإقليمي.

وبقدر ما تعتبر هذه العودة تجسيدا للشرعية، وانتصارا للمشروعية قاريا ودوليا، بقدر ما تعتبر تتويجا للجهد الملكي في ترسيخ الحضور المغربي في القارة الإفريقية وانتصارا كذلك للعقل الدبلوماسي المغربي، ونتيجة لمسار من العمل الدؤوب، عمل في الميدان وفي مختلف الجبهات وعلى كافة المستويات من أجل تمتين علاقات الثقة وبناء شراكات ثنائية وفق منظور جديد للتعاون جنوب-جنوب.

وسيظل الخطاب الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس أمام المشاركين في أشغال القمة 28 للاتحاد الإفريقي بأديس أبابا، وثيقة تاريخية مرجعية لمرحلة فاصلة في علاقة المغرب بباقي أشقائه وأصدقائه الأفارقة، ومن حيث المحتوى والرسائل التي بعث بها جلالته بخصوص الإشكالات والمعضلات الحقيقية التي تواجهها إفريقيا. كما شكل هذا الخطاب بحق مرافعة أخرى من أجل القارة الإفريقية تعزز العمل الميداني والزيارات الناجحة بكل  المقاييس، التي قام بها جلالة الملك إلى عدد كبير من البلدان الإفريقية، وذلك وفق رؤية تفضل التعاون والشراكة جنوب - جنوب أساسها تَقَاسُمُ الخبرات ووسائل تحويل الإمكانيات إلى ثروات.

السيدات والسادة،

إن عودة بلادنا إلى عائلتها المؤسسية الإفريقية تملي علينا كمؤسسة تشريعية مسؤولية كبرى في مجال الدبلوماسية البرلمانية قصد مواكبة عودة المغرب إلى مختلف مؤسسات الاتحاد الإفريقي وتجسيد انضمام المجلس الى المنظمة البرلمانية للاتحاد : برلمان عموم إفريقيا، مع ترسيخ علاقاتنا الثنائية مع البرلمانات الوطنية على أساس تكثيف التشاور السياسي والتعاون في مجالات التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية وتقاسم مهاراتنا وخبراتنا.

والى جانب التصديق على الاتفاقيات التي أبرمها المغرب في الفترة الأخيرة مع عدد من الأشقاء الأفارقة، فإننا مطالبون أيضا من خلال الدبلوماسية البرلمانية، بمواكبة الدبلوماسية الرسمية، في أفق تعزيز فرص الاستثمار للرأسمال الوطني العمومي والخاص دعما للشراكات مع باقي البلدان الإفريقية.

السيدات والسادة،

من المؤكد والواضح أن هذا الوضع الجديد قد أبرز وثيرتين متباينتين، الأولى ترتبط بالدينامية الكبرى التي انخرط فيها المغرب الدبلوماسي بما تتسم به من نجاعة وفعالية وما أفضت إليه من نتائج ملموسة، في حين تخص الوثيرة الأخرى المغرب السياسي الذي يلاحظ أنه لايواكب نفس الإيقاع، وتلك مفارقة قد تكون لها في حال استمرارها مضاعفات على طموحاتنا جميعا، الأمر الذي يقتضي أن نرتقي بالأوضاع السياسية الداخلية إلى مستوى النجاعة والفعالية التي تميز المبادرات الدبلوماسية التي يقودها جلالة الملك دفاعا عن ثوابت الأمة.

لقد كنا جميعا في الموعد مع التاريخ حينما صوتنا بالاجماع على القانون التأسيسي للاتحاد الافريقي. ولذلك لاينبغي، ولايحق لنا أن نخلف موعد اليوم وغدا في اتجاه مواجهة التحديات التي تنتظرنا في هذا السياق، إذ علينا أن لانجعل من الزمن السياسي خصما، بل شريكا وحليفا لتحصين المكتسبات ومواجهة التحديات.

ولست في حاجة إلى التذكير بحجم هذه التحديات وخطورتها، حيث فاقمت الأوضاع في محيطنا الشمال الإفريقي وفي الشرق الأوسط وإفريقيا جنوب الصحراء  من المخاطر الأمنية وعولمة الإرهاب وانتشار خطاب التطرف والتشدد، فيما يساهم انهيار الدولة في بعض البلدان في الفوضى وازدهار تجارة  السلاح وتهريب البشر والجريمة المنظمة وكل الممنوعات.

وفاقمت النزاعات الداخلية من معاناة ملايين البشر الباحثين عن أماكن آمنة مع ما يطرحه ذلك من أسئلة حول معنى التضامن اليوم، ومعنى المسؤولية الأخلاقية والانسانية والحقوقية تجاه ظاهرة الهجرة واللجوء التي تسائل الضمير العالمي في الوقت الحاضر.

وبالموازاة مع هذه الأوضاع، وفي علاقة جدلية معها، تزدهر في مناطق أخرى من العالم خطابات الانطواء على الذات وتجد خطابات النزعات القومية الضيقة صداها لدى شرائح اجتماعية واسعة مع كل ما يحتمله ذلك من تطورات وتداعيات على العلاقات الدولية، وعلى الأمن والسلم في العالم، وعلى الأوضاع الداخلية لكل بلد، وبالأساس على القيم المشتركة بين أعضاء المجموعة الدولية.

ولذلك فإن هذه التحولات والظواهر الجديدة على الصعيدين الجهوي والدولي، ومستلزمات تحصين المكتسبات التي حققتها بلادنا والدفاع عن مصالحها العليا في محيط بقدر ما يحمل من آمال وما يتيحه من مؤهلات وإمكانيات، بقدر ما يطرح أيضا تحديات وتساؤلات مقلقة، كل ذلك يملي علينا مسؤوليات جسيمة للتجاوب مع نداء التاريخ، ونداء المرحلة من خلال الحرص على إعمال مقتضيات الدستور، والاضطلاع بأدوارنا الرقابية والتشريعية، واتخاذ المبادرات التي يقتضيها الراهن الوطني والجهوي.

إنها مهام تستدعي الانضباط في العمل وتجويد الخطاب وإعطاء صورة متجددة عن المؤسسة التشريعية لدى الرأي العام. وسيظل الهدف هو تقدم بلادنا وترسيخ الديمقراطية والاستجابة لتطلعات الشعب المغربي و الارتقاء إلى مستوى تطلعات جلالة الـملكأعزه الله.

 

إتصل بنا
Image CAPTCHA
أدخل الحروف المبينة في الصورة