مجلس النوابالبرلمانمجلس المستشارين

فضاء الرئاسة: الولاية التشريعية 2016-2021

المستجدات

كلمة السيد الحبيب المالكي رئيس مجلس النواب في افتتاح الندوة الدولية حول "البرلمانات ورهان الامن الغذائي"

> 31/10/2019

الزميل والصديق العزيز السيد رئيس مجلس المستشارين

السيد وزير الدولة المكلف بحقوق الانسان والعلاقات مع البرلمان

وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات

السيدة Gabriela Cuevas Barron's رئيسة الاتحاد البرلماني الدولي والزميلة العزيزة

الزميلات والزملاء  رؤساء البرلمانات الوطنية والمنظمات البرلمانية المتعددة الأطراف

السيدات والسادة مسؤولي وممثلي المنظمات الدولية

السيدات والسادة،

يشرفني أن أشارككم افتتاح هذه الندوة الدولية التي تتناول موضوعاً يكتسي أهمية كبرى في السياقات الدولية والإقليمية الراهنية والمستقبلية، وينطوي على عدة أبعاد حقوقية – إنسانية وبيئية وأمنية وإستراتيجية.

وقد أحسنتم في جعل هذه الندوة تنعقد تحت عنوان "البرلمانات ورهانات الأمن الغذائي"، بالنظر إلى الأدوار الحاسمة لهذه المؤسسات في اعتماد التشريعات والسياسات الكفيلة بالإسهام في التصدي لمعضلة ستعاني المجموعة الدولية من آثارها الوخيمة أكثر إذا هي لم تتسلح بالجُرأة الضرورية للوقاية منها على أسس رؤية تضامنية وسياساتٍ متعددةِ المداخل.

لقد أحسنت المجموعة الدولية، مُمَثَّلةً في الأمم المتحدة، بجعل "القضاء على الجوع وتوفير الأمن الغذائي والتغذية الـمُحَسَّنة وتعزيز الزراعة المستدامة"، الهدف الثاني في أهداف التنمية المستدامة السبعة عشرة (17) التي حددتها الجمعية العامة كأهداف ينبغي بلوغها خلال الفترة من 2015 إلى 2030. ولا يتعلق الأمر في هذا الهدف بمجرد دعوة إلى التضامن الإنساني، ولكن بإقرارٍ ملموس لحقٍ أساسي من حقوق الإنسان ينبغي كَفَالَتُهُ، ليس فقط لضمان بقاء La survie ملايين البشر، ولكن لكي يتمتعوا بالصحة العقلية والجسدية الضرورية ويساهموا في بناء مجتمعاتهم ونمائها وتقدمها.

وقبل أن أعود إلى تناول الطابع الاستراتيجي لهذه المعضلة في نسق العلاقات الدولية، أرى أنه من المناسب أن أُذكر بمساهمة، المملكة المغربية في ضمان الأمن الغذائي العالمي. فوفاءً منه لتقاليده الزراعية العريقة والراسخة يُطَوِّرُ المغربُ اليوم نموذجاً زراعيا هو من النماذج الرائدة على المستوى الدولي، مَسْنُوداً بخبرةٍ وسياسةٍ رائدةٍ في مجال تعبئةِ المياه، حيث شكلت سياسة بناء السدود اختياراً سياسيا واقتصاديا ثابتاً في السياسات العمومية منذ استرجاع الاستقلال. وقد أصبحت استراتيجية المغرب الفلاحية بفضل مخطط المغرب الأخضر نموذجاً يُحتدى به في زيادة الإنتاج ورفع القيمة المضافة الفلاحية وتأمين تزويد الأسواق بعدد كبير من المنتجات داخل حدود الوطن وخارجه، والحفاظ على التربة والبيئة وتوريث تقاليد الاعتماد على الذات وإنتاج الغذاء من الأرض، مُحْتَرِماً على هذا النحو مبدأ الاستدامة في تحقيق التنمية.

ومن جهة أخرى يحرص المغرب على الاستغلال الأمثل والمستدام للثروات السمكية ويساهم في توفير استهلاك ملايين البشر من منتوجات البحر في المغرب وفي بلدان أخرى.

السيدات والسادة،

حسب منظمة الأمم المتحدة، فإن بلدان إفريقيا جنوب الصحراء هي الأكثر معاناة من الجوع ومن نقص التغذية في العالم حيث رُبُعُ (1/4) السكان يعانون من الجوع، وأكثر من 130 مليون نسمة تعاني من نقص التغذية، مع كل النتائج الكارثية لهذا الواقع من وفيات وأمراض.

والحال أن إفريقيا تتوفر على إمكانيات هائلة لتطوير فلاحة يمكن أن تغذي أكثر من نصف سكان الكون، إذ إن 60%  من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستعملة  عبر العالم توجد بإفريقيا، وهو ما يمكن أن تدعمه الثروة البشرية الهائلة التي تتوفر عليها البلدان الافريقية. إن الأمر يتعلق بالاحتياطات الاستراتيجية من الأرض البِكْر الأوسع في العالم. فأين يكمن المشكل إذن ؟ لا يتعلق الأمر فقط بغياب الرؤية وبالاستراتيجيات، ولكن بالإمكانيات وبثقلِ إرثِ التوزيع الدولي للعمل غير العادل، وبالعجز في التكنولوجيا، وأساساً بالانعكاسات السلبية للاختلالات المناخية التي تعاني منه قارتنا، جفافا، وتصحراً وفيضاناتٍ وتراجعاً للمساحات الغابوية. ومرة أخرى يُطرحُ السؤال عن مدى وفاءِ المجموعة الدولية بالتزاماتها إزاء القارة الافريقية.

لقد التزمت المجموعة الدولية، على سبيل المثال، خلال مؤتمرات الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة–الإطار بشأن التغيرات المناخية منذ 2011 بضخ 100 مليار دولار سنويا في الصندوق الأخضر من أجل البيئة، خاصة لفائدة البلدان النامية وفي مقدمتها البلدان الإفريقية. وبالتأكيد، فإننا بعيدون كل البعد عن هذا الهدف في ما يرجع إلى جمع الاعتمادات المالية، وفي ما يرجع إلى تنفيذ المشاريع.

في هذا الصدد، ينبغي التذكير، بأن المغرب الذي جعل من انتمائه الافريقي المتأصل والراسخ رافعة أساسية، يلتزم بالملموس، وبالمشاريع الهيكلية، من أجل التنمية المستدامة في إفريقيا.

ومن المشاريع التي تعتبر رائدة وتكتسي أبعاد اجتماعية وإنمائية استراتيجية مبادرة تكييف الفلاحة الافريقية التي أطلقها المغرب عشية الدورة 22 لمؤتمر التغيرات المناخية بمراكش، والتي تتوخى الحفاظ على البيئة والتربة وتمويل المشاريع وتحسين المداخيل وزيادة المحاصيل وتطوير أساليب الإنتاج وضمان الأمن الغذائي. وكما أكد ذلك جلالة الملك في خطابه أمام قمة الاتحاد الافريقي المنعقدة في نهاية يناير 2017 بأديس ابابا "... لا الغاز ولا البترول بإمكانه تلبية الحاجيات الغذائية الأساسية. أليس الأمن الغذائي أكبر تحد تواجهه القارة الإفريقية ؟ وهذا هو جوهر المبادرة من أجل تكييف الفلاحة الإفريقية مع التغيرات المناخية، التي تعرف بمبادرة "Triple A"، التي أطلقناها بمناسبة قمة المناخ "كوب 22". إنها مبادرة تمثل جوابا جد ملموس وغير مسبوق، لمواجهة التحديات المشتركة المترتبة عن التغيرات المناخية. فمباشرة بعد إطلاقها، حظيت هذه المبادرة، بدعم قرابة ثلاثين بلدا "(انتهى كلام جلالة الملك).

السيدات والسادة،

سيجعل الضغط الكبير على الأغذية، بسبب الزيادة الديموغرافية، وارتفاع الطلب وتضاؤل الموارد، من الأمن الغذائي، إلى جانب المياه، رهاناً من الرهانات الاستراتيجية في العلاقات الدولية خلال ما تبقى من القرن الواحد والعشرين، بعد أن كان البترول مادة استراتيجية ومصدرَ نزاعاتٍ وحروبٍ خلال حوالي 80 عاماً من القرن العشرين ومطلع القرن 21..

وستكون الأغذية مصدرَ نزاعات وتوترات وعدم استقرار، وربما حروب، وستتسببُ نذرتُها في موجاتِ هجرةٍ ولجوءٍ ونزوحٍ جماعي، وستُعَمِّقُ أزمةُ الغذاء الفوارقَ بين البلدان الغنية والبلدان النامية، وبين الأغنياء والفقراء، وبين الجهات، في البلد الواحد، وسيستمرُّ حرمانُ ملايين البشر من حق أساسي هو الحق في الغذاء وقد يتسبب في وفاة الملايين، وستكون المجموعة الدولية(وهي اليوم) أمام مسؤولية كفالةِ الحق في الغذاء، وفي الحياة، وأمام امتحان التضامن وسؤال الضمير.

لقد أدركت المجموعة البرلمانية الدولية هذه الرهانات والتحديات، وأحسنت صنعاً بإحداث عدد من الآليات والشبكات البرلمانية. وعقدت العديد من المنتديات بغاية المساهمة في اقتراح أجوبة تُسعفُ في الوقاية من معضلةِ الجوع وضمان الأمن الغذائي. وتوجد البرلماناتُ في الموقع الذي يؤهلها لاقتراح مداخل لتطويقِ هذه المعضِلة.

ومَامِنْ شك في أن الأمر يستدعي تضامنا دوليا قبل فَواتِ الأوان باجراءاتٍ ملموسة منها :

  • التعجيل بتحويل التكنولوجيا الضرورية وتملكها لتطوير الفلاحة من بلدان الشمال إلى بلدان الجنوب،
  • تيسير نقل تكنولوجيا تحلية مياه البحار، وبناء السدود من أجل تعبئة المياه وتوفير احتياطات استراتيجية منها،
  • تكثيف الزراعات مع الحرص على الحفاظ على الأرض بما يكفل استدامة التنمية التي ينبغي أن يكون الانسان في صلبها وهدفها،
  • الترافع من أجل جعل البلدان والمنظمات المانحة تفي بالتزاماتها إزاء البلدان النامية المتضررة من الاختلالات المناخية،
  • جعل الزراعة وتربية الماشية والصيد البحري في صلب الاستراتيجيات الوطنية للتنمية،
  • تثمين استعمال المخصبات الزراعية الميسرة لزيادة وتكثيف الإنتاج،
  • جعل الفلاحة مصدراً ثميناً للدخل وللتشغيل الضامن للكرامة،
  • تيسير نقل التكنولوجيا المستعملة في تحويل وتعبئة وتثمين المنتوجات الفلاحية، من الشمال إلى الجنوب.

وينبغي في كل ذلك أن تُعتبر الاختراعات، والمهارات التقنية والتكنولوجية، والمكاسب الكونية في هذا المجال ملكا مشتركا للبشرية، وبالتالي الحرص على استفادة البلدان الفقيرة منها ومن استعمالاتها محليا، على النحو الذي يُنهي مع التصور التقليدي المبني على توزيع دولي ظالم للعمل يجعل من البلدان النامية، وخاصة الإفريقية، مجرد مَصْدَرٍ للمواد الأولية، وأسواقا لصناعات بلدان الشمال، و(مؤخراً) اعتبار أراضيها الزراعية موضوع بيع أو كراء للأجانب.

إننا مطالبون، السيدات والسادة، بترسيخ الوعي بضرورة تقاسم ثمار الرخاء العالمي، وبإعادة النظر على نحو جذري في أنماط الاستهلاك لوضع حد لتبذير الأغذية ورميها في المزابل فيما يجوع الملايين من البشر. ومن أجل ذلك ينبغي أن تتظافر جهود السياسيين والإعلام والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية.

 

شكرا لكم.

إتصل بنا